ابن عابدين
249
حاشية رد المحتار
كتاب الطلاق لما ذكر النكاح وأحكامه اللازمة والمتأخرة عنه شرع فيما به يرتفع ، وقدم الرضاع لأنه يوجب حرمة مؤبدة ، بخلاف الطلاق تقديما للأشد على الأخف . بحر . قوله : ( لكن جعلوه الخ ) عبارة البحر قالوا : إنه استعمل في النكاح بالتطليق وفي غيره بالاطلاق ، حتى كان الأول صريحا والثاني كناية ، فلم يتوقف على النية في طلقتك وأنت مطلقة بالتشديد ، ويتوقف عليها في أطلقتك ومطلقة بالتخفيف اه . قال في البدائع : وهذا الاستعمال في العرف وإن كان المعنى في اللفظين لا يختلف في اللغة ، ومثل هذا جائز كما يقال حصان وحصان ، فإنه بفتح الحاء يستعمل في المرأة ، وبكسرها في الفرس اه . والظاهر أنه أراد بالعرف عرف اللغة ، لأنه صرح في محل آخر أن الطلاق في اللغة والشرع عبارة عن رفع قيد النكاح ، وصرح أيضا بما يدل على أن الطلاق في اللغة صريح وكناية ، فافهم . قوله : ( وشرعا رفع قيد النكاح ) اعترضهم في البحر بأمور : الأول : أنهم قالوا : ركنه اللفظ المخصوص الدال على رفع القيد فينبغي تعريفه به ، لان حقيقة الشئ ركنه ، فعلى هذا هو لفظ دال على رفع قيد النكاح . الثاني : أن القيد صيرورتها ممنوعة عن الخروج والبروز كما في البدائع ، فكان هذا التعريف مناسبا للمعنى اللغوي لا الشرعي . الثالث : أنه كان ينبغي تعريفه بأنه رفع عقد النكاح بلفظ مخصوص ولو مآلا اه . أقول : والجواب عن الأول أن الطلاق اسم بمعنى المصدر الذي هو التطليق كالسلام والسراح بمعنى التسليم والتسريح ، أو مصدر طلقت بضم اللام أو فتحها طلاقا كالفساد ، كذا في الفتح ، وتقدم أنه لغة : رفع الوثاق مطلقا : أي حسيا كوثاق البعير والأسير ، ومعنويا كما هنا ، وأن المعنى الشرعي مستعمل في اللغة أيضا ، فقد ثبت أن حقيقة الطلاق الشرعي هو الحدث الذي هو مدلول المصدر لا نفس اللفظ ، لكن لما كان أمرا معنويا لا يتحقق إلا بلفظه المستعمل فيه قبل إن ركنه اللفظ ، فليس اللفظ حقيقته بل دال عليه ، فلذا قال المصنف تبعا للفتح : إنه رفع قيد النكاح بلفظ مخصوص . وعن الثاني والثالث أن المراد بالقيد العقد ، ولذا قال في الجوهرة : هو في الشرع عبارة عن المعنى الموضوع لحل عقدة النكاح ، فقد فسره بالمعنى المصدري كما قلنا أولا وعبر عن رفع القيد بحل العقدة : أي بفك رابطة النكاح استعارة ، والمراد برفع العقد رفع أحكامه ، لأن العقود كلمات لا تبقى بعد التكلم بها كما حققه في التلويح في بحث العلل وعن هذا قال في البدائع : وأما بيان ما يرفع حكم النكاح فالطلاق ، وقال قبله : للنكاح الصحيح أحكام بعضها أصلي وبعضها من التوابع : فالأول حل الوطئ إلا لعارض . والثاني حل النظر وملك المتعة وملك الحبس وغير ذلك اه . وأما ما ورد في البحر من أن من آثار العقد العدة في المدخول بها فلذا لم يفسروه برفع العقد ، ففيه أن العدة ليست من أحكام النكاح لأنه غير موضوع لها ، وكونها من آثاره لا ينافي وجودها بعد رفع أحكامه كما أن نفس الطلاق من آثار عقد النكاح ، ولا يصح أن يكون من أحكامه ،